أحمد بن محمد ابن عربشاه
265
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
فقال : ليعلم الوزير والنائب والأمير والحاجب ، والصديق والصاحب ، والجندي والكاتب ، والمباشر والحاسب ، والراجل والراكب ، والآتي والذاهب ، وليبلغ الشاهد الغائب ، إن مقتضى الرئاسة في الشرع والسياسة على ما قدره حكماء الملوك وسلكوا بعباد الله تعالى أحسن السلوك ، إن كل واحد من الغنى والصعلوك ؛ لا سيما من له من الأمر شيء أو نوع مباشرة على ميت أو حي له مقام معين لا يزايله ، ومكان مبين لا يقابله قال الحي القيوم ذو الملك الديموم حكاية عن متصرفى ملك الديموم وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ [ الصافات : 164 ] . وعلى هذا جرت سنته وورد كلامه وعلت كلمته وبه أمر الشرع . والإنسان مدنيّ بالطبع ، فالواجب على كل من أقامه الله في خدمة ملك ولّاه أو سلطان علّاه : أن يلزم مقامه ويلاحظ في صف جماعته إمامه ، ويراقب ما يصدر عنه ، فقد قيل : إياك وما يعتذر منه . فإذا رام أن يتكلم بكلام يحضره الإمام أو بحضور أحد من الخواص والعوام ، يسير كلامه أولا بمسبار التفكير ، ويعيره بمعيار التأمل والتبصر ، ثم يسبكه في بوتقة الفصاحة ، ويسكبه في قالب الملاحة ، ويصوغه بآلات حسن الانسجام ، ويرصعه بجواهر مقتضى المقام ، فإذا صيغ على هذه الصياغة وقعدت على سبكه نقوش البلاغة ، وأخرج له غواص الفكر من بحر المعاني والبيان فرائد أفكار لم تظفر بها أصداف الآذان ، وخرائد « 1 » أبكار لم تفترعها فحول الأذهان ، ازدانت بها من حور جنان الجنات ومقصورات خيام الدهور والأزمان آنسات لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ، فاختلب ببهائه القلوب والأرواح ، واستلب بروائه الأموال والأشباح ، واستمال الخواطر وسحب الأيادى المواطر « 2 » وصار له الدهر من بعض رواته وأشناف ما يرويه عنه
--> ( 1 ) أي جديدة لم يسبقه إليها أحد . ( 2 ) الممطرة بالخير ، الكريمة .